Council for the Development of Social Science Research in Africa
Conseil pour le développement de la recherche en sciences sociales en Afrique
Conselho para o Desenvolvimento da Pesquisa em Ciências Sociais em África
مجلس تنمية البحوث الإجتماعية في أفريقيا


في جنوب افريقيا ايضا
...العنف ..ورفض الآخر


حلمى شعراوى

Number of visits: 289

عندما يتصاعد العنف بنفس القسوة ( وإن ليس بنفس عدد القتلى ! ) فى أكثر من منطقة فى أفريقيا – وغيرها – ويتم ذلك بينما نقول أنها بيئات مختلفة فى جنوب أفريقيا عنها فى الصومال أو نيجيريا ، عنها فى ليبيا أو مصر .فما الذى يعنيه ذلك بالنسبة لمنهجية التفسير ، أو خلال البحث عن الأسباب المتقاربة وراء هذا التطرف فى مظاهر العنف ، ورفض الآخر أو ما يسمى كراهية أو رهاب الآخر ؛ الأجنبى ...Xenophobia ..الخ ؟
ثمة ارتباك أمام تعدد التفسيرات لما يبدو متنوعا ، بينما يشير تصاعد الأزمة إلى ضرورة معرفة المشترك .
ففى الشمال الأفريقى مثلا يسود التفسير بالعامل الثقافى أو الحضارى ( القيمى ، التعصب الدينى ، سوء التفسير ، الإقصاء...) ومن خلال ذلك يذكر مهمشا الاعتبار الديمقراطى ، وتوزيع الثروات...الخ، ومن ثم لا تنجح أية معالجة حتى الآن فى الحد من : العنف المروع ‘لى حد الذبح على الهوية ...!
وفى غرب أفريقيا وخاصة فى نيجيريا ، بدت ثروات البترول ومعادن الصحراء الكبرى كافية لشعوبها ولكن بدون جدوى أمام نفوذ العسكريين تارة ، والتبعية للخارج تارة أخرى ، ومن ثم دخلت "بوكو حرام " على خط التفسير الدينى المتطرف بدوره فى رفض الآخر ( القبلى أو المسيحى أو الغربى ) ، وجرى العنف مروعا لحد القتل أيضا على الهوية ...!
فى الجنوب الأفريقى ، بدت لنا الصورة أكثر ارباكا وكأنها تبدو متناقضة مع الآخرين ، فالرأسمالية " البيضاء" الموروثة عن النظام السابق رتبت أمورها مع البرجوازية السوداء ، وقفزت بالاقتصاد الحر ، فى عقلانية تحديثية ملحوظة لحد شراكتها مع البرازيل والهند والصين ! ومن ناحية أخرى جاء دستور الانتقال من الأبارتيد للحكم الأفريقى ، محكما بدوره ، فى صياغة الحقوق ( الأقاليم والمرأة ، والوعود العدلية النظرية لا الإجرائية فى الزراعة وفرص العمل .)..وحتى من الناحية الثقافية ، فإن حالة " قيادة مانديلا للتحول" جعلت " حالة التحرر" ، حالة ثقافية أو قيمية بدورها ، بل انها كانت " وعدا " عميقا بالمشاركة وبدا "التسامح " "والشفافية " شعارا للمرحلة الجديدة التى تحل فيها المواطنة محل العرق ، ومع ذلك تسارع التدهور فى أوضاع قطاعات جماهيرية كبيرة ، ليتحول إلى كراهية الآخر ( الأفريقى بالذات ) إزاء سقوط وعد المشاركة بما يصل مؤخرا ( ومن قبل ذلك أكثر من مرة ) إلى حد القتل على الهوية ...المهاجرة ...!
ومادمنا أمام حالة جنوب أفريقيا هذه- التى يتسارع فيها العنف - فليس صحيحا منذ البداية أن "العنصر الثقافى " - الكراهيةأو التسامح مع الآخر – أو حتى أزمة الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية مما يصلح تفسيرا فى جنوب أفريقيا إلا فى أقل الحدود ،...لأن الأرقام الأخيرة تشير إلى عدم تجاوز عمال الهجرة أكثر من 2 مليون ( وإن قيل أنه يصل إلى 4 مليون) ، وهذا الرقم بين 52 مليون نسمة لا يعنى الكثير . لكن ربط ذلك باستمرار الفوارق العنصرية القديمة يجعل العامل " الثقافى " موضع جدل إزاء عدم قدرة النظام القائم على معالجة الأوضاع العنصرية السابقة .، ونقل الصراع مع الظالم الحقيقى إلى صراع بين أطراف المظلومين ، (أفريقى أسود / أفريقى مهاجر ) ! ومن هنا كان اتهام الرأى العام الشعبى الأفريقى "للنظام القائم" بالمبالغة فى التسامح المنحاز مع الوضع الاستعمارى العنصرى القديم ، وممارسة نفس سياسة السوق والاستغلال .... مما جعل الدفة لدى الجماهير تتجه للانكفاء على نفسها بمظاهر التطرف فى الجريمة تارة ، بل وفى الاضرابات المستمرة ، ثم فى رفض الافارقة" الآخرين " كأجانب (( Kwerekwere تارة أخرى ! مع أنهم من بلاد قريبة عرقيا ونفسيا مثل ليسوتو ، وزيمبابوى ، ومالاوى ، وموزمبيق ، ويمتد البعد الحضارى لليسوتو والميتابيلى إلى عمق جنوب أفريقيا ، وقد أدى تجاهل الحكم لذلك إلى إثارة نعرات مضادة فى القارة ضد مواطنى جنوب أفريقيا نفسها ، باشارات إلى مساعدة أفارقة القارة لهم فى التحرر ، أو سابق إيواء أبناء جنوب أفريقيا لديهم , وصعدت نيجيريا الموقف باستدعاء سفيرها امام دهشة بريتوريا من ذلك....
وقد عمق التحليل باستمرار آثار السياسة الاستعمارية العنصرية عند النظام الحالى ما نشر من أرقام الإبعاد المستمر Deportation للأجانب فى أجواء اتهامهم باحتلال فرص العمل الأفريقية إلى حد تطور الرقم من 23 ألف بعد عام 1991 ، إلى 210 ألفا عام 1996، إلى أصعاف ذلك عام 2000، ناهيك عما سبب الاضطرابات الواسعة عام 2008 ...والدراسات كلها مليئة باحصاءات ليس هنا مجالها ( راجع جهاز Miworc ) ) .
قد تتعدد الأسباب أيضا وراء ظاهرة العنف ضد الأجانب فى جنوب أفريقيا إزاء وفود أبناء زيمبابوى مثلا بكثافة مع استمرار أزمة حكم "موجابى" إزاء ظروف حكم " موجابى" ، ليصلوا إلى أكبر من ربع مليون نسمة مؤخرا ( يصل بهم البعض لحوالى المليون) ، وكذا تدفع ظروف صراعات الصومال والكونغو ، وسياسة الإفقار فى نيجيريا إلى بروز أرقام أبناء هذه الدول فى جنوب أفريقيا ، وذلك فى وقت تحد فيه أوربا من الهجرة إليها ، بل وتقل فيه فرص العمل بسبب السياسات الاقتصادية المحلية فى جنوب أفريقيا .
ولأن قائمة الجاليات المضارة تضم أبناء حوالى عشرة دول أفريقية ، فإننا نشهد فورة مضادة لجنوب أفريقيا على مستوى القارة ، بمطالب شعبية فى عدد من دولها .... فى مالاوى ، وزيمبابوى ، وموزمبيق ،ونيجيريا أومظاهرات مطالبة بمقاطعة التجارة والبضائع ، بل والأغانى والموسيقى !، ومناشدة الإتحاد الأفريقى بالتدخل .
ولا تحاول النظم في هذه البلدان أن تشير لجذور الموضوع فى واقعها هى وسياساتها نحو أبنائها ، وإنما تلجأ لمجرد البعد الثقافى للكراهية والرهاب...!
ورغم توفر كل العناصر الثقافية والرأسمالية والعرقية في البحث عن أسباب يبدو معظمها فى تقديرى مهربا من الحقيقة ...يظل السبب الحقيقى الذى لم نبحث عنه لنختبره بعمق وصدق هو ظروف تحقق "العدل الاجتماعى " لهذه الجماهير التى يعجزها عدم المشاركة الشعبية الفعلية عن طرح " آليات حقيقية للعدل " بدلا من سياسة الإقصاء المتبادل...والذبح على الهوية ...

24-4-2015




Comments